ابن عربي
315
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
في يوم اشتدت الحاجة فيه ، مع ما ذكر من الغضب الإلهي الذي تجلى فيه الحق في ذلك اليوم ، ولم تظهر مثل هذه الصفة فيما جرى من قضية آدم ، فدل بالمجموع على عظيم قدره صلّى اللّه عليه وسلم ، حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبية الإلهية على مناجاة الحق فيما سأل فيه ، فأجابه الحق سبحانه ، وعلقت الموازين ، ونشرت الصحف ، ونصب الصراط ، وبدئ بالشفاعة ، فأول ما شفعت الملائكة ، ثم النبيون ، ثم المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين ، وهنا تفصيل عظيم يطول الكلام فيه ، فإنه مقام عظيم ، غير أن الحق يتجلى في ذلك اليوم فيقول : لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، حتى تبقى هذه الأمة وفيها منافقوها ، فيتجلى لهم الحق في أدنى صورة من الصور التي كان تجلى لهم فيها قبل ذلك ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ باللّه منك ، ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا ، فيقول لهم جل وتعالى : هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها بتلك العلامة ، فيقولون : أنت ربنا ، فيأمرهم بالسجود ، فلا يبقى من كان يسجد للّه إلا سجد ، ومن كان يسجد اتقاء ورياء جعل اللّه ظهره طبقة نحاس ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ، وذلك قوله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ) يعني في الدنيا ، والساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة ، فإذا وقعت الشفاعة ولم يبق في النار مؤمن شرعي أصلا ، ولا من عمل عملا مشروعا من حيث ما هو مشروع بلسان نبي ، ولو كان مثقال حبة من خردل فما فوق ذلك في الصغر إلا خرج بشفاعة النبيين والمؤمنين ، وبقي أهل التوحيد الذين علموا التوحيد بالأدلة العقلية ولم يشركوا باللّه شيئا ، ولا آمنوا إيمانا شرعيا ، ولم يعملوا خيرا قط من حيث ما اتبعوا فيه نبيا من الأنبياء ، فلم يكن عندهم ذرة من إيمان فما دونها ، فيخرجهم أرحم الراحمين وما عملوا خيرا قط ، يعني مشروعا من حيث ما هو مشروع ، ولا خير أعظم من الإيمان وما عملوه ، وهذا حديث عثمان بن عفان في صحيح مسلم بن الحجاج ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من مات وهو يعلم - ولم يقل يؤمن - أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة ، ولا قال يقول ، بل أفرد العلم ، ففي هؤلاء تسبق عناية اللّه في النار ، فإن النار بذاتها لا تقبل تخليد موحد للّه بأي وجه كان - إشارة - قرأ
--> تحتمل أن تكون خبرية ولكن الاستفهام فيها أظهر ، فإن قوله : « سَلْ » يطلبها ، والسؤال